توعيةمقالات

المصالحة الوطنية.. ضرورة وليست خياراً

يستوجب تحقيق المصالحة الحقيقية، وضع خارطة طريق ليبية واضحة، مبنية على أسس علمية وواقعية، تحدد أساسيات المسألة وخطوطها العريضة، تلزم جميع الأطراف، وتكون محصنة من الفئوية والاستئثار.

فالبداية تكون عن امتلاك الإرادة الذاتية الصادقة، وعدم الرضوخ للإملاءات الخارجية، لإنجاح المصالحة الحقيقية، وهذا يتوقف عن مدى استعداد الأطراف المتنازعة للدخول فيها، وتخليها عن تقديم الشروط التعجيزية، وتقديم التنازلات والتضحيات من أجل إنجاحها، بعمل وطني شامل يتجاوز سلبيات واستقطابات الحرب وتصفية الحسابات، وينأى بالبلد عن الصراعات السياسية والإيديولوجية.

إن فرص نجاح المصالحة، مرهونة بتجاوز التحديات والعقبات السالفة الذكر، وأن يتبنى الليبيين رؤية مشتركة لمجتمع ديمقراطي ممثل للجميع… وهذا الانقسام يفرض على الليبيين ممارسة أكثر إيجابية، ترتقي فوق المصالح الضيقة والآنية… وتوفير بيئة مناسبة، ورؤية شاملة وواضحة، وتوافقية لبناء المجتمع والدولة من جديد بمشاركة الجميع، وللجميع، وتشكيل إطار سياسي جامع، يتبنى ميثاق وطني موحد، يحوي القواسم المشتركة من أجل الحاضر والمستقبل، وإجراء انتخابات جديدة تخرج البلاد من أزمتها، وتنهي الانقسام، وهو أقل تعبير عن تقدير قيمة التضحيات ودماء الشهداء، وأصدق تعبير عن الوفاء لهم.

فتحقيق المصالحة الوطنية، وصنع مستقبل زاهر لأجيالنا القادمة، يتطلب منا وقفة جادة من الليبيين كافة، وأن نعمل على دعم وتطوير مؤسسات العدالة الانتقالية، وتطبيق مبادئ إنصاف الضحايا وجبر الأضرار، وتحقيق العدالة، وإنشاء لجان وطنية قانونية لتقصي الحقائق، وإجراء محاكمات عادلة لمنتهكي القانون، وأن تتحمل الأطراف الليبية مسؤولية حفظ وحدة البلاد، والحيلولة دون تقسيمها على أسس سياسية أو جغرافية وقبلية، لتجنب الأخطار الكبيرة التي يمكن أن تترتب على تمزيق وحدة البلاد.

كذلك العمل على الوقف الفوري لكل الأعمال القتالية، والسعي الجاد لإنجاح الحل السياسي، وإبداء النوايا الحسنة والمرونة الكافية لإنجاز توافق يحقق الشراكة الوطنية، ويوقف استنزاف مقدرات البلاد، بما يفتح آفاق المستقبل للنهوض والتقدم، والعمل على بناء الأجهزة الأمنية والعسكرية، على أسس وطنية تغيب وتنصهر فيها الأبعاد المناطقية والجهوية والقبلية.

فليبيا اليوم بحاجة إلى قيادة سياسية جديدة تؤمن بالمهمة، وتستطيع مواجهة التحدي في مهمة تاريخية لا مجال فيها للنزعات الفئوية، وتطور مشروعاً خالياً من نزعة الثأر والانتقام والإقصاء، وتتخذ من التوافق السياسي أساساً له، وتستطيع التعامل وصياغة عقد سياسي اجتماعي جديد، بالاستناد إلى دستور يمثل خارطة لتنظيم الحياة السياسية.

كما أن الأجيال القادمة سوف تحاسب كل من أهدر الوقت، والمال، ولن تتهاون مع من أضاع مستقبلهم، وسرق ثروتهم، وانتهك كرامتهم، فالشعب الليبي يعاني من انتهاكات جسيمة لحقوقه الأساسية، وهذا يمثل خطراً كبيراً على القيم الإنسانية المشتركة، ويهدد النسيج الاجتماعي.

وتمهيداً لهذه المصالحة يجب على الإعلام أن يلعب دوراً كبيراً وفعالاً، وأن تبادر كل القنوات الإعلامية ووسائطها، على اختلاف توجهاتها بتوحيد خطابها، لكي يصب في إطار فكرة المصالحة العميقة والشاملة، وتسخر أغلب برامجها من أجل الدفع بالليبيين نحو المصالحة، وذلك بإبراز إرث الشعوب والدول التي عانت من ويلات الحروب الأهلية وأنهكتها الصراعات والنزاعات، ودور المصالحة الحقيقية والعميقة في إنهاء حقب من المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان.

ونخلص إلى أنه يمكن تعريف المصالحة والعدالة الانتقالية بـ”مجموعة الإجراءات والخطوات التي تقود إلى خلق جو من التصالح والتوافق الاجتماعي، بين كل أطياف ومكونات المجتمع في دولة ما، والتي تكفل تلاشى كل مظاهر التوتر والنزاعات الناشئة على أسس عقائدية (سياسية أو دينية)، أو قبلية أو مناطقية، كنتيجة لتعديات على الحقوق المشروعة للأفراد والجماعات، حدثت خلال مراحل زمنية محددة، وذلك بتوفير الضمانات القانونية والعرفية، التي تكفل جبر الضرر لجميع المتضررين، مادياً ومعنوياً، خلال تلك الفترات الزمنية، المتفق عليها من كل الأطراف دون تمييز أو انحياز”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق